موقع صحبتكم

نهتم بأحدث التقنيات و البرمجيات الحرة

د. يوسف زيدان يكتب:أوهام المصريين (٦/٧) .. مصر المحروسة

حتى وقتٍ قريب، ولزمنٍ طويل سابق، كان الذين يذكرون اسم مصر أو القاهرة، يُلحقون بكل اسم منهما صفة «المحروسة» فيقولون: مصر المحروسة، القاهرة المحروسة.. وكان بعضهم يستغنى أحياناً بالصفة عن الاسم، على اعتبار أنه إذا قال «المحروسة» فقط، فمراده الإشارة إلى مصر أو القاهرة.

وكنتُ فى الصِّغر أعتقد أن هذه الصفة تخصُّ بلدنا وعاصمتنا، لكننى لاحقاً رأيتُ فى نصوص تراثية كثيرة، أنهم كانوا يقولون أيضاً: دمشق المحروسة، حلب المحروسة، حماة المحروسة.. فهو إذن، تقليد مصرى/ شامى قديم لا يختص بالضرورة بمدينة معينة. بل تفنَّن أهل الأدب السابقون فى (تلوين) هذا المعنى بضروب البلاغة وبدائع العبارات التى منها مثلاً قولهم: سور حَماة بربها محروس.. وهى العبارة التى إذا انعكست حروفها وقُرئت من آخرها إلى أولها، أعطت القول نفسه. وبتعبيرٍ تراثى، فإن العبارة واحدةٌ إذا قُرئت طَرْداً، وإذا قُرئت عكساً.

ما علينا الآن من تفانين البلاغيين، ومن اعتيادنا وصف (الحراسة) وتكراره على المسامع حتى صار راسخاً فى الأذهان. فالسؤال الآن: إذا كانت مصر والقاهرة، وغيرهما، مواطن (محروسة) فمن الذى يحرسها؟ أم أن تلك (الحراسة) وَهْمٌ فى الأذهان يشارك فيه المصريون إخوانهم الشوام؟.. وسوف نرى معاً، أو بالأحرى نسعى لذلك، عبر السطور التالية.

■ ■ ■

فى قصيدة غير مشهورة لمحمود درويش، كتبها تعليقاً على اتهام (سرحان بشارة سرحان) بقتل الرئيس الأمريكى كنيدى، وجعلها بعنوان غريب، بالغٍ فى حداثته، وهو: سرحان يشرب القهوة فى الكافيتريا! يستهلُّ الشاعر نصَّه الشعرى بقوله:

يجيئون،

أبوابنا البحرُ، فاجأنا مطرٌ

لا إله سوى الله، فاجأنا مطرٌ

ورَصَاصٌ

هنا الأرضُ سجادةٌ

والحقائب غربةٌ.

وفى قلب القصيدة، يقول محمود درويش بعدما توغَّل فى رسم صورٍ شعرية (سريالية) مستقاة من شخصية «سرحان بشارة» ومن تجربة الشاعر نفسه، ما نصُّه :

وما شرَّدوكَ، وما قتلوكَ

أبوك احتمى بالنصوص، وجاء اللصوص!

ولستَ شريداً، ولستَ شهيداً

وأمُّك باعتْ ضفائرها للسنابل

والأمنيات.

كنتُ قد قرأت القصيدة، أول مرة، أيام كنتُ تلميذاً بالمرحلة الإعدادية، فلم أفهمها تماماً آنذاك، ولكن علقت بذهنى منها أجزاءٌ.. وبعد سنوات، كنتُ أُلقى محاضرة فى جامعة الدول العربية عنوانها (الخروج بالتراث من النصِّ إلى الخطاب) وفى أثناء كلامى، ومن غير تدبير مسبق، استشهدتُ للتدليل على ضرورة التخلص من حالة الانبهار بالتراث سعياً لإعادة بنائه وتطويره، بما قاله محمود درويش: أبوك احتمى بالنصوص ، وجاء اللصوص.

يومها، ثار علىَّ د. محمود الطناحى، وصخب بشدة فى القاعة تعليقاً على قول الشاعر «أبوك احتمى بالنصوص وجاء اللصوص» وقال ما معناه: لا تستشهدْ بهؤلاء الشعراء، فإن المقصود بالنصوص فى كلامهم هو القرآنُ الكريم، ولا يصحُّ الكلامُ بهذا الشكل عن القرآن ووصفه بأنه نصٌّ أو نصوص.

فى ذاك الوقت، كانت أزمة د. نصر حامد أبوزيد قد ابتدأت بسبب كتابه «مفهوم النص» وكان بالشارع المصرى صخبٌ آخر، عنيف، انتهى إلى ما نعرفه من الختام الحزين المهين، الذى لحق بنا، كبلدٍ يزعم أنه متحضِّر، وبالدكتور نصر أبوزيد الذى آل أمره إلى ما آل إليه.. ولأننى أيامها كنتُ أصغر سناً من المشاركين فى المؤتمر، بعشرات الأعوام، فقد ألزمنى الأدبُ بالسكوت وعدم الردِّ على ما قاله د. محمود الطناحى، خصوصاً أننى رأيتُ صديقى د. فيصل الحفيان (منسِّق المؤتمر) وقد امتقع وجهُه خشية انفلات النقاش (الأكاديمى) وتحوُّله إلى جدال سجالى،

لكننى بقيتُ من بعدها أفكِّر طويلاً فى أمور من مثل: ما الضيرُ فى وصف القرآن الكريم بأنه «نصٌّ» لا سيما أن مشايخنا القدماء كانوا يقولون من غير حرج، عبارات من نوع: وقد نصَّ القرآنُ الكريم على.. وفى نصِّ الحديث النبوى أن .. لا اجتهاد فيما نزل فيه نصٌّ (لا اجتهاد مع النص). ولم يؤثر عن واحدٍ من مشايخنا التراثيين، أو أعلام الإسلام، أنه قال إن النصوص تحرس من اللصوص.

وثارت فى باطنى تساؤلات عن السرِّ الذى يدعونا، مثلاً، للاحتفاظ بنسخةٍ من المصحف الشريف فى سيارتنا، وهو التقليد الذى صار عامّا عند سائقى التاكسى المسلمين، بل وجدتُ مؤخراً بعض طائرات مصر للطيران تضع فى مدخلها إطاراً زجاجياً، بداخله مصحف.

هل يحرس المصحف الشريف؟ وإذا كان كذلك، فهل حراسته مخصوصة بالمسلمين، أم هو يحرس الإنسان بعامة؟ وهل تفعل آيات القرآن بذاتها، أم بصدق التلفظ بها؟ .. معروف أن الإمام علىَّ بن أبى طالب، عندما احتالوا عليه برفع المصاحف فوق أسنة الرماح، قال: هذا الكتاب لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال.. ومعروف أن طائفة الإسماعيلية (الحشَّاشين) كان من تقاليدهم أن يمزق الواحدُ منهم المصحف فى مرحلة معينة من مراحل دخوله فى هذه الجماعة (أو هكذا قيل عنهم) .. ومعروف أن أعداء المسلمين، قديماً، كثيراً ما مزَّقوا المصاحف غيظاً من قوة المسلمين.

إذن، لم يتأثر القرآن الكريم بهذه الأفعال، ولم يزل المصحف بآياته محفوظاً فى صدور المسلمين، وفى آذانهم. فما هو سرُّ الحراسة؟ الذى أميل إليه، وقد أكون مخطئاً، أن المؤمن بالمصحف الشريف هو الذى يلفظه، لا العكس. وبالتالى، فلا معنى للوهم العام والظنِّ الشائع بأن وجود نسخة المصحف، غير المقروء، فى وسائل الانتقال يحفظ المتنقِّلين.

ولربما قال قائل، الذى «يحرس» هو الله تعالى وليس الكتاب العزيز، وبالتالى فإن الواجب على الإنسان المسلم، أن يبقى فى حراسة الله، وليس فى حراسة المصحف. ولهذا القائل نقول: لكن الله تعالى قال فى قرآنه: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ولم يقل إنه تعالى سيعمل لنا! وقال أيضاً (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ولم يقل إنه تعالى سوف يبدأ بالتغيير والإصلاح والحراسة.

وقد يعترض معترضٌ، بأن الله تعالى قال فى قرآنه: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وفى الحديث القدسى: «من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب» وبالتالى: فإن الله هو الحارس وكتابه تعالى يحرس أيضاً. ومثل هذا المعترض ، نُحيله إلى بابٍ واسعٍ من كلام الأئمة، فى الفرق بين التوكُّل والتواكل. وتأكيد الفقهاء وعلماء أصول الدين، أن الإنسان لا غنى له عن العمل، أولاً، ثم من بعد ذلك يرجو من الله التوفيق فى عمله.. وإلا صار الإنسان مثل ذلك الرجل الذى ظل أعواماً يدعو الله أن يفوز بورقة يانصيب رابحة، ولم يستجب الله له، ولكنه مع ذلك ظل يدعو ويبتهل، حتى تجلَّى له فى المنام واحدٌ من كبار الأولياء، وصاح فيه: قد يستجيب الله لك، ولكن عليك أولاً أن تشترى ورقة يانصيب.

■ ■ ■

وعلى أية حال، فلنترك جانباً ذلك الجدال (النظرى) حول حقيقة «الحراسة» ومصدرها، لننظر فى التجارب الفعلية التى مرَّت بها هذه الأمة فى تاريخها الطويل، ومن ذلك واقعةٌ هائلة حدثت فى القرن السابع الهجرى:

فى بداية ذاك (القرن) كانت فى وسط آسيا مملكة إسلامية كبيرة تُعرف تاريخياً باسم «الدولة الخوارزمية» نسبةً إلى إقليم خوارَزم الموجود حالياً فى دولة أوزبكستان.

وفى ذاك الأوان (القرن السابع الهجرى: الثالث عشر الميلادى) كانت هذه الدولة قد بلغت من القوة قدراً كبيراً جعل حاكمها «محمد خوارزمشاه» يستسلم لأطماعه التوسُّعية التى دفعته إلى التفكير فى إسقاط الخلافة العباسية فى بغداد، ليكون هو الحاكم الإسلامى (الخليفة) على عموم الأرض الممتدة من حدود الصين إلى شواطئ المحيط الأعظم (الأطلنطى).

أرسل خوارزمشاه جيشاً إلى بغداد، ليحقِّق له أطماعه، ولكن العواصف الثلجية فتكتْ فى جبال فارس الشمالية بالجيش الجرَّار، وتخطَّف الأكراد ما بقى منه. ولم يعد إلى الديار الخوارزمية إلا بضعةٌ من الناجين الذين قصُّوا على خوارزمشاه، الويلات التى قابلتهم وعصفت بهم.

وعلى الجانب الآخر، فى بغداد، كان الناس يتخوَّفون من وصول الجيش الخوارزمى الذى اعتقد الجميع آنذاك أنه لا يُقهر ولا ينهزم، فلما وقعتْ الوقائعُ وخيَّبتْ المساعى الخوارزمية، راح الأدباء والشعراء فى بغداد يتغنُّون بأن الخلافة مباركَة، وبأن بغداد محروسة، وبأن الذى يريد دولة العباسيين بسوءٍ فسوف تعوقه السماء من الإضرار بها.. وسادت هذه الفكرة فى الأذهان، وعَمَّ الوهمُ، فارتاح الناس فى بغداد إلى قصيدة (الحراسة) الموهومة التى دعت الحاكمين والمحكومين إلى إهمال ما يجب عليهم للدفاع عن عاصمة الدنيا آنذاك (بغداد).

غير أن خوارزمشاه، تواصلت حماقاته وأحلامه التوسُّعية، فتوجَّهت أطماعه إلى ناحية الشرق، وناجز الحاكم المغولى العظيم «جنكيز خان» واستفزَّه بشكل لا يمكن السكوت عليه، فاندفع الجيشُ المغولى واجتاح أرض الدولة الخوارزمية، ثم واصل تقدُّمه غرباً حتى وصل بعد عقود (سنة ٦٥٦ هجرية) إلى أسوار بغداد المحروسة، التى ثبت أنها غير محروسة.. وجرت أحداثٌ مهولة، يضيق المقام هنا عن بيان فظاعتها، حتى إن بغداد لم تقم لها قائمة من بعد ذلك بقرون طوال، ولم يعد بعدها الناسُ يصفون بغداد بالمحروسة.

وبالطبع، لم تكن فكرة (وهم) الحراسة، هى السبب الوحيد للكارثة؛ فقد كانت هناك عدة أسباب لسقوط بغداد بيد المغول، منها فساد الحكم، وصراع الشيعة مع السُّنَّة فى بلاط الخليفة، وعدم تقدير خطورة الوضع العسكرى المتدهور فى دول الإسلام. لكن الاعتقاد بأن البلد (محروس) يظل مع ذلك، من أهم هذه الأسباب المسبِّبات للانهيار التام.

■ ■ ■

وفى زماننا المعاصر، وسنة ١٩٦٧ تحديداً، وقف الجيش الإسرائيلى على مسافةٍ قريبة من القاهرة، ولم يفكر فى دخولها لأسبابٍ استراتيجية بحتة، لكن بعض المصريين اعتقدوا آنذاك أن المانع من ذلك هو كونها (محروسة) بالمعنى الغيبـى، وليس الاستراتيجى.. ومن ثم، امتلأت المساجد وظهرتْ العذراء فوق قباب الكنائس، ليستعيد الناس التوازن بعد الهزيمة (النكسة) التى جرت على أرض الواقع، بما هو فوق الواقع وخارج حدود العقل.

وهنا مكمن الخطر فى (وهم الحراسة) الذى يدفع الناس، لا شعورياً، إلى إهمال التدبير اللازم للحماية، اتكالاً منهم على أن البلاد تحرسها قوى فوقية (ميتافيزيقية).. مع أن وقائع التاريخ، وقواعد المنطق، يدلان على أن المكان الذى لا يحرسه أهله، غير محروس.. والنصوص لا تحمى من اللصوص.

ولو كانت بلادنا محروسة، بالمعنى الوهمى لا الفعلى، لما تعاقب عليها كل مَنْ استطاع إليها سبيلاً، فالفرس احتلوا البلاد مرتين، وألحقها الرومان مراتٍ بسلطانهم، وفى زمانها الإسلامى استولى على حكمها ما لا حصر له من أشكال الحاكمين، فمن سُنَّةٍ إلى شيعةٍ، ومن أفاضل الرجال إلى العبيد من أمثال كافور، ومن العقلاء إلى المهووسين.

نخرج من ذلك، إذا أردنا الخروج، بحقيقة بسيطة تصيح فى وجوهنا كطفل وليد، مفادها أنه لا معنى لوهم (البلد المحروس) ما لم يقم أهل هذا البلد بحراسته.

 

عدد المشاهدات :106
أوهام المصريين

د. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين (٤-٧) .. البابويةُ والخلافة

 

شهد النصف الثانى من القرن العشرين، عمليةً عكسيةً لافتةً للنظر. فما كاد المسلمون يستفيقون من وَهْم «الخلافة» والظن بأنها شرط لقيام الدولة التى يعيش الناس فيها تحت (ظل) الحاكم الذى هو (ظل) الإله فى الأرض، حتى دخل المسيحيون فى وَهْم مشابه، ولكن من الجهة العكسية، بظنهم أن حياة الفرد المسيحى لا تستقيم إلا مع وجود البابوية .. ونظراً لحساسية الموضوع الذى سنطرحه عبر السطور التالية، فمن المهم أن نورد قبل الخوض فيه، بعض المقدمات الضرورية:

أولاً: إن مرادى بالخلافة والبابوية هنا، هو الصورة السلطوية التى تستند إلى الحكم الدنيوى، وفقاً للحق الإلهى.

ثانياً: إن حديثى عن المسلمين والمسيحيين لا ينطوى بالضرورة على عموم أهل الديانتين، فالتنوع داخل كل جماعة (مصرية) قد يمتد حتى يصل أحياناً إلى حد التناقض، داخل الجماعة الواحدة! وبالتالى، فمقصودى هو «بعض» أولئك وهؤلاء، وليس جميعهم.

ثالثاً: إن تناول مثل هذه الظنون والأوهام، لا أقصد به الخوض فى الاعتقاد الإيمانى وصُلب الديانة المسيحية أو الإسلامية. ولذلك، فلن أتعرَّض للأحوال الدينية المتمثلة فى الكتب المقدسة (الإنجيل، القرآن) وإنما أستعرض صور الوعى العام الناتج عن مواقف تفسيرية وتأويلية، وعن اجتهادات فردية وطرق مختلفة فى فَهْم «الدين».

رابعاً: إن كلامى التالى ينطلق من قاعدة « المحبة» الواجبة على المسيحى والمسلم معاً، ومن ضرورة المناقشة العميقة (الهادئة) لتلك الموضوعات، بدلاً من إهمالها وتجاهلها. وهو ما يقود لا محالة، إلى استفحالها (فى الظلام) وانتشارها فى اللاوعى العام، حتى تصير مثل قنابل موقوتة يفجِّرها أصحاب المصالح الدنيوية، وقتما يريدون وحسبما يرون الوقت مناسباً لهم.

■ ■ ■

البابويةُ والخلافةُ فكرتان تعودان إلى ما قبل المسيحية والإسلام، وترتبطان فى جذورهما التاريخية بالدنيا، وليس الدين. وقد ذكرتُ فى مقالة الأسبوع الماضى، بعض اللمحات التاريخية التى تطورت خلالها فكرة «الخلافة» منذ فجر الإسلام حتى أيامنا الحالية التى تحوَّرت فيها الفكرة إلى صيغة «أمير الجماعة» .. ويبقى أن نشير فيما يلى، بإشارة موجزة، إلى أن الأصل العربى القديم فى مسألة الخلافة، هو أصل سابق على ظهور الإسلام! ويرتبط بالنظام السلطوى العربى الذى يقوم على أساس القبيلة التى يحكمها (شيخ القبيلة) ويدير شئونها وفقاً للقواعد العرقية التى تعتدُّ بالنسب والقرابة. وقد ارتبط هذا المفهوم السلطوى القديم، بنظام السلطة فى الإسلام من خلال مفهوم (الإمام) الذى هو المعادل الموضوعى لشيخ القبيلة، ولذلك قالوا فى بداية «الدولة الإسلامية» بقاعدةٍ انطلقت من حديث شريف لا أستطيع الآن التأكد من صحته أو كذبه (لأننى أكتب هذه المقالة، أثناء زيارتى لروما) يقول: الأئمة من قريش.

ثم تحوَّرت فكرةُ «شيخ القبيلة» لاحقاً، إلى صيغة «شيخ الإسلام» التى انفصل من خلالها الحكم الدينى للجماعة، عن الحكم السياسى الذى صار مخصوصاً بالخليفة: الخلفاء الأربعة، الخلفاء من بنى أمية، الخلفاء من بنى العباس، الخلفاء من العثمانيين.. فلم يعد من شروط الخليفة، إمامة المصلِّين بالمسجد الجامع فى عاصمة الخلافة، مثلما كان الحال فى فجر الإسلام وفى زمن الفتوحات، وإنما توزَّعت المهام على نحوٍ يختص فيه «شيخ الإسلام» بأمور الدين، ويختص «الخليفة» بأمور الدنيا. مع الحفاظ على الصلة الخفية، القوية، بين هذا وذاك! والاحتفاظ بأولوية الخلافة على المشيخة، بمعنى أن الخليفة لا بُدَّ أن يكون راضياً على شيخ الشيوخ.. والاحتفاظ أيضاً بالسِّمة الأساسية لكل سلطة منهما، أعنى صفة «الوراثة» فى الخلافة، وصفة «الصلاح» فى شيخ الشيوخ (لأن الله بحسب الاعتقاد الشعبى العام، قد يخلق من «ظهر» العالم، فاسدا).

■ ■ ■

أما «البابوية» فهى الصيغة العربية التى تُرجمت إليها الكلمة اليونانية «بطريركية» فالبابا هو البطرك، وهو البطريرك.. وقد ظهرت هذه الكلمة وتحدَّد هذا المفهوم، فى وقت سابق على ظهور الديانة المسيحية، حيث أُطلقت صفة «البطرك» على عضو (السناتو) الرومانى، باعتبار المعنى المجازى لكلمة «بطرك» أو «أب» بما يفيد أن أعضاء السناتو (مجلس العموم الرومانى) هم بمنـزلة آباء للشعب ورعاة للجمهور.. وقد ظل هذا المعنى القديم باقياً حتى وقت قريب، وكان أعضاء المجلس البلدى فى الإسكندرية، حتى النصف الأول من القرن العشرين، يوصفون بأنهم: آباء المدينة (بالمعنى الإدارى والسياسى للأُبوة) .

وعندما انتشرت المسيحية، فى القرن الثانى والثالث (بعد المسيح) أحسَّ الناسُ المؤمنون بالدين الجديد، آنذاك، بضرورة أن يكون لهم آباء روحيون، يرأسهم «بطرك» بالمعنى الدينى للكلمة، وليس بالمعنى الإدارى والسياسى.. وقد جاءت الديانة المسيحية أصلاً، كحركة إصلاح للديانة اليهودية (حسبما أوضحتُ فى كتابى: اللاهوت العربى) وبمنـزلة ثورة روحية على المادية التى انتهت إليها اليهودية. كما جاءت أيضاً كحركة رفضٍ اجتماعى على الظلم السياسى لأباطرة روما.

بدأت المسيحيةُ من فلسطين والشام ومصر (العالم اليونانى/ الرومانى القديم) ثم غزت قلب الإمبراطورية : روما.. وهناك، ظهر للمرة الأولى منصب «البابوية، البطريركية» كرئيس لرجال الدين، ورأس للإكليروس (قمة التسلسل الهرمى للقساوسة) وظل لفظ «البابا» لزمن طويل، يختص تحديداً بهذه العاصمة الإمبراطورية، بحيث لا يحق لأى رجل دين آخر، فى أى مكان آخر، أن يوصف بالبابوية.. ورويداً، صار كل رجل دين (أباً) لجماعته التى يتولى رعايتها، أو بحسب التعبير المصرى المعاصر (أبونا) وصار «بابا روما» هو : أبو الآباء .. ورويداً، اضمحلَّ سلطان روما السياسى، وتأسست عاصمة جديدة للإمبراطورية الرومانية هى: بيزنطة (ذات الأسماء العديدة التالية، فهى القسطنطينية وإسلامبول وإسطنبول والآستانة وإستانبول) .. ورويداً، شعرتْ المدن الكبرى أنها الأحق بصفة «مدينة الله العظمى» فتنافس رؤوس الكنائس فى بيزنطة والإسكندرية وأنطاكية وأثينا، للوصول إلى مرتبة «البابوية» لجميع المؤمنين فى العالم.

وما لبث التنافس الكنسى الذى ظهر فى الاجتماع العالمى (المسكونى) لرجال الدين المسيحى «مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية «أن صار خلافاً حاداً بين الكنائس الكبرى فى مجمع أفسوس الأول (سنة ٤٣١ ميلادية) ثم صار صراعاً مريراً فى مجمع خلقيدونية (سنة ٤٥١ ميلادية) وهو الاجتماع الذى انشقت فيه الكنائس، وأُهين الأسقف العام للإسكندرية: الأنبا ديسقوروس (أنبا وأمبا، تعنى حرفياً: الأب المعلم) .

وأدى الصراعُ الكنسى المرير، إلى كوارث إنسانية وإلى سقوط مئات الآلاف من البسطاء، ضحايا، لأنهم اعتقدوا أنهم جنودُ الحق وأهل الفرقة الناجية (وهو موضوع قادم) .. ترنُّ الآن فى أُذنى، قصيدة محمود درويش الختامية «لاعب النرد» حيث يقول:

ومصادفةً، صار منحدر الحقل فى بلدٍ

متحفاً للهباء

لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك

من الجانبين،

دفاعاً عن القائدين اللذين يقولان: هيَّا

وينتظران الغنائم فى خيمتين حريريتين

من الجانبين

يموت الجنود مراراً

ولا يعلمون إلى اليوم، مَنْ كان منتصراً!

ومصادفةً، عاش بعض الرواة وقالوا:

لو انتصر الآخرون على الآخرين

لصارت لتاريخنا البشرى

عناوين أخرى

■ ■ ■

وقد استقر حال المسيحيين منذ القرن السابع الميلادى، على الخلاف المذهبى المريع، وعلى رئاسة عدة بابوات «بطاركة» فى: روما (الكاثوليك) وأثينا (الأرثوذكس اليونان) وأنطاكية (الأرثوذكس السريان) والإسكندرية (الأرثوذكس المصريين) والقسطنطينية (الأرثوذكس الملكانيين) .. مع وجود سلطة سياسية واحدة فى تلك النواحى، هى الإمبراطورية البيزنطية التى انهزمت أمام المسلمين الفاتحين.

ولأن حياة الإنسان مزيجٌ من الدين والدنيا، وجدلية دائمة بين ما هو دنيوى وما هو دينى (وكلاهما لا غنى له عن الآخر) فقد شهد تاريخ المسيحية تقلبات كثيرة بين السلطتين الدنيوية «السياسية» والدينية «البابوية»، ودلَّت الشواهد على أن ضعف السلطة السياسية، يؤدى إلى ازدياد وهيمنة السلطة البابوية! لأن الاهتراء السياسى (الدنيوى) يؤدى بالضرورة إلى بؤس اقتصادى واجتماعى، يدفع الناس البسطاء إلى التعلق بالأمل (الدينى) لإدراك النعيم الأخروى، عوضاً عن فقدانهم السعادة فى هذا العالم. وهو ما يظهر واضحاً فى العصور الوسطى الأوروبية، المسماة عصور الظلام، حيث كان «البابا» فى روما هو المهيمن على الملوك والأمراء، بل كان هو الذى يعيِّن هؤلاء الملوك، وكأنه الرئيس الفعلى للعالم الأوروبى، وملك الملوك جميعهم، باعتبار أنه صورة المسيح فى الأرض (ظل الإله) وخليفة المسيحيين كلهم.. مع أن السيد المسيح، قال فى صريح الإنجيل: مملكتى ليست من هذا العالم!

وفى مصر، كان الأرثوذكس المصريون يعانون الويلات من الأُرثوذكس الملكانيين (الذين كانوا يحكمون مصر = أصحاب البلد) فلما جاء المسلمون، رأى الفاتح البديع «عمرو بن العاص» أن من مصلحته ومصلحة البلاد، أن يستدعى الأنبا بنيامين، بطرك الأرثوذكس المصريين، من المخبأ الذى كان قد اختفى فيه لمدة ثلاثة عشر عاماً، هرباً من بطش البطرك الأرثوذكسى الملكانى (المقوقس) الذى كان الحاكم الدينى والدنيوى لمصر.

وبعد قرون من استقرار حال المسيحيين المصريين، مع العرب الكثيرين المقيمين بمصر من قبل الفتح، والمسلمين الكثيرين الذين جاءوا بعد الفتح، واليهود الذين سكنوا مصر قبل الفتح وبعده.. بعد قرون طوال من استقرار الحال، وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ظهرت اتجاهات مسيحية مصرية، فى إطار الدولة الإسلامية المصرية، تزعم أن لمصر تاريخاً دينياً (مسيحياً) خاصاً، يتمثل فى سلسلة الخلفاء الروحيين للسيد المسيح. وكان أول وأشهر «إعلان» لها، آنذاك، هو كتاب أسقف الأشمونين «ساويرس بن المقفع» الذى وضعه باللغة العربية (لأن أغلب أهل ملته، كما يقول، ما عادوا يعرفون غيرها) وجعله بعنوان: «تاريخ الآباء البطاركة».

■ ■ ■

يستهلُّ «ابن المقفع» كتابه الذى طُبع مؤخراً عدة طبعات، بديباجة يقول فيها ما نصُّه: «وأنا ممن لا يجب أن يكتب بخط يده البالية الفانية، شيئاً من أخبارهم (يقصد: الآباء البطاركة) فاستعنتُ بمَنْ أعلم استحقاقهم (مكانتهم) من الإخوة المسيحيين، وسألتهم مساعدتى على نقل ما وجدناه من أخبارهم، بالقلم (اللغة) القبطى، إلى القلم العربى الذى هو معروفٌ عند أهل هذا الزمان بإقليم ديار مصر، لعدم (انعدام) اللسان القبطى من أكثرهم»..

ونلاحظ فى النص السابق، المنقول بتمامه، أن المؤلف لم يستعمل كلمة (الأقباط) للإشارة إلى المسيحيين المصريين! وأنه استعمل كلمة (القبطية) بالمعنى المتعلق فقط باللغة، وليس الدين .. فتأمل.

ثم يبدأ الأسقف ساويرس بن المقفع (كلمة «المقفع» من الراجح أنها تعنى: صانع السلال= القُفَف) كتابه ببيان أن سلسلة الخلافة الروحية للمسيح فى مصر، تبدأ بأول البطاركة: الرسول العظيم المعلم بولس المصطفى.. تلك هى تعبيراته الدالة على التأثر الواضح بالمفاهيم الإسلامية السائدة فى عصره، حيث نلمح الصفات الإسلامية الشهيرة (الرسول، المصطفى) وقد أضيفت إلى الحوارى «بولس» تلميذ السيد المسيح، الذى كتب الإنجيل المعروف باسمه.

ثم ينتقل المؤلف إلى الحلقة الثانية فى سلسلة الخلفاء (البطاركة) وهو بحسب نص الكتاب: «رئيس أساقفة الإسكندرية، مرقس اليهودى..» وقد استوقفنى وصفه له باليهودى وبرئيس أساقفة الإسكندرية! فى وقت لم يكن فيه بالإسكندرية أساقفة مسيحيون. وعلى كل حال، فإن «مرقس» المذكور، هو ذاته «سان ماركو» الذى نقل الإيطاليون منذ قرون طوال، جثمانه الذى كان مدفوناً بالإسكندرية، ودفنوه فى الكنيسة البديعة الموجودة اليوم فى «فنسيا» أو «البندقية» وهى التى تعدُّ واحدة من روائع العمائر المبهرة منذ قرون .

ويمرُّ الكتاب على فترات زمنية، لا يذكر فيها أى «بطرك» مما يعنى أن سلسلة الآباء البطاركة، انقطعت فى سنوات عديدة.. كما يمرُّ على آباء بطاركة من أمثال ديمتريوس الكرام (١٨٩- ٢٣١ ميلادية) الذى كان متزوِّجاً! لكن الأسقف السابق عليه، رأى فى منامٍ أن الذى سيدخل عليه ومعه عنقود عنب (كَرْم) سوف يصير أسقفاً، فدخل هذا المزارع البسيط وفى يده عنقود من بواكير ثمار العنب، فعرضوا عليه الأمر فأشفق على نفسه من هذه المهمة: «فأخذوه قهراً وقيَّدوه بقيد حديد».. ولما اعترض المعترضون عليه، بأنه متزوِّج، رَدَّ عليهم المؤمنون حسبما ورد بالنص فى كتاب (الآباء البطاركة) بالآتى: «قال تلاميذ المسيح فى قوانينهم، إن الأسقف إذا كان متزوجاً بامرأةٍ واحدةٍ، فلا يُمنع من ذلك، لأن الزوجة المؤمنة طاهرة، وفراشها طاهر، ولا ذنب عليها».

وفى النص السابق، الذى نقلته بحروفه، تتجلَّى عدة أمورٍ، من أهمها أنه لا مانع من أسقفية المتزوِّج، وأن المسيحية كانت تسمح بتعدُّد الزوجات (وإلا لما قال: بامرأةٍ واحدةٍ) وأن تلاميذ المسيح كانت لهم قوانين.. لكن الأهم من ذلك كله، أن المؤلف لم يستعمل كلمة «البابا» وإنما كان يقول دائماً «البطرك» الذى بحسب التعريف الذى قدَّمه له فى الكتاب: هو أسقف مدينة الإسكندرية، وله الرياسة على أساقفة أعمالها (المناطق التابعة لها) .. مما يعنى أن البطرك مفهومٌ مكانىٌّ، أى مرتبط بمكانٍ محددٍ هو الإسكندرية، وليس حسبما توهَّم الكثيرون اليوم، ويردِّدون: البطريركية هى المكان الذى يكون فيه البطرك، أيَّا كان هذا المكان!

.. وهناك الكثير من التفصيلات والحقائق المرتبطة بهذا الموضوع، لكن هذا المقال استطال عن المساحة المخصصة له. فلنتوقف هنا، خاصةً أننى لا أُريد إيراد المزيد. وما مرادى فى نهاية الأمر، إلا بيان ذلك الارتباط الوثيق بين مفهومىْ البابوية والخلافة، فى التراثين المسيحى والإسلامى.

عدد المشاهدات :71
أوهام المصريين

د. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين .. الخلافة والبابوية

على الرغم من (الغاغة) التى يثيرها اليوم فى مصر، نفرٌ من «الرجال» المتحدِّثين باسم الإله فى الأرض (لا يزيد عددهم على العشرة)، فإن الأمور التى تجمع بين المسلمين والمسيحيين فى هذا البلد، لا تزال أكثر بكثير من الأمور التى تفرِّقهم، ليس على مستوى الواقع المعيشى فحسب، وإنما أيضاً على مستوى التاريخ الطويل، المشترك، الذى صاغ عبر مئات السنين واقعنا المعاصر.. وقد أشرتُ إلى ذلك، بالتفصيل، فى محاضرةٍ عامةٍ عُقدت قبل سنوات قليلة فى مكتبة الإسكندرية، جمعت بين البابا شنودة وكاتب هذه السطور، وتحدث فيها «البابا» عن تاريخ كنيسته ومسيرته الرهبانية، بينما تحدثتُ عن حضور المسيحية فى التراث العربى الإسلامى.. وسوف أضع فيديو المحاضرة اليوم على صفحتى بالفيس بوك وموقعى على الإنترنت، ليعلم الناس ما كنا نقوله لإخواننا المسيحيين من كلام المحبة، قبل بضعة أعوام!

وقبل بضعة أيام، هاجت النفوس بسبب التصريحات التى أدلى بها واحدٌ من هؤلاء «العشرة» الذين يظنون فى أنفسهم أنهم (لسان الإله) الناطقون بالحقيقة المطلقة، وما هم فى واقع الأمر إلا كائنات فكاهية، تحب إحداث «الهوسة» كل حين.. وبمناسبة (فكاهى، وهوسة) فإن فى فصيح اللغة العربية يقال عن الرجل أنه (فكه) و(فاكه) إذا كان يأكل الفاكهة كثيراً، وإذا كان ينال من أعراض الناس! وصاحبنا الفكاهى هذا، يفعل الأمرين، بإمعان، وليته يكتفى بالأمر الأول منهما ويرحم الناس من (البمب) الذى يطلقه فى وجوههم كل حين، حتى إنه لم يتورَّع عن وصف قرابة مليون إنسان مصرى بأنهم (والعياذ بالله) أولاد زنا، لأنهم لم يتزوَّجوا بالطريقة التى يراها هو شرعية!

ولكن إخواننا «الإنجيليين» الذين وصفهم صاحبنا بهذه الصفة البشعة، أناسٌ طيبون عقلاء، يتعاملون مع مثل هذه المواقف بحسب ما أوصاهم به السيد المسيح، ويراعون وصايا المسيح وتعاليمه الداعية إلى المحبة (حتى للأعداء) ولذلك، فقد ترفَّعوا عن الردِّ على كلامه الوضيع.. أما كلمة «الهوسة» فمرادى منها ليس المعنى الفصيح المشتق من الهوس، وإنما المعنى العامىّ الذى يذكرنى بلغة (الهوسا) وهى إحدى اللغات، غير المفهومة لنا، التى يستعملها بعض سكان المنطقة الواقعة غرب الصحراء الإفريقية.

وأعتقد أن وسائل الإعلام المصرية، إذا كَفَّتْ عن توجيه الأنظار نحو أقاويل هذا الشخص الفكاهى، أو عرضتها باعتبارها نوعاً من (الهوسا) الفكاهية أو النِّكات ثقيلة الظل، أو الفذلكات الفلسفية لشخصٍ لم يدرس الفلسفة، أو «نفسنة» سخيفة لرجل دين مسكين يظن فى نفسه الظنون ويتوهَّم الأوهام! إذا نظرنا لأقواله من هذه الزاوية، لكان ذلك أوفق لنا. لكن الأنسب فيما أرى لأقاويله الجوفاء هو أن تُهمل، حتى لا ينشغل الناسُ بها ويظنَّ بعضهم أنها كلام جاد، جاد به أحد المجتهدين السابحين فى أوهام القرن الخامس الميلادى.

■ ■ ■

فى القرن الخامس الميلادى، ظهرت فى مصر، بقوةٍ، مسألة البابوية كقضية مصيرية يموت بسببها البسطاء.. وفى القرن السابع الميلادى (الأول الهجرى) ظهرت مسألة الخلافة الإسلامية، التى أثرت بدورها فى تطور فكرة البابوية، وتأثرت بها، وفى هذا المقال، سوف نعكف على موضوع «الخلافة» ونشير إلى تطورها وارتباطها بالبابوية، وفى مقال الأسبوع القادم نعكف على موضوع «البابوية» ونشير إلى ارتباطها بالخلافة.. لنرى معاً كيف نتجت أوهامٌ مصرية عديدة (معاصرة) من هاتين الفكرتين القديمتين.

الأصل فى (الخلافة) أنها مفهوم سياسى إسلامى، ذو طابع دينى. وأعتقد، وقد أكون مخطئاً، أن اللفظة استُعملت منذ نشأة الدولة الإسلامية، للإشارة إلى نمطٍ من الحكم يختلف عن النظام الملكى. وقد ورد فى الحديث الشريف، أن رجلاً دخل على النبى فأخذته الهيبة وراحت ركبتاه ترتعدان (فى نص الحديث: أخذ تُرعد فرائصه) فطمأنه النبى بأن قال له: هوِّن عليك، فلستُ بملكٍ ولا جبار، أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد.

وفى السيرة النبوية، والقرآن الكريم، ورد أن زوجات النبى هُنَّ (أمهاتُ المؤمنين) وهو ما يدلُّ بشكل غير مباشر، على أن النبىَّ هو (أبو المؤمنين) وإلا لما صارت زوجاته أمهاتٍ لهم! وقد استقر فى الأذهان هذا المفهوم (الأبوى) للنبى، مع الممارسة العملية للسلطة. مع أن القرآن الكريم يقول صراحةً ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم لكن الانتماء الأبوى والقبلى فى العقلية العربية، وضع النبى فى مرتبة «الأب» للمؤمنين، وجعل زوجات كلِّ حاكم عربى حتى يومنا هذا، بمنـزلة أمهات لمعاصريه ! ولذلك لا يتزوَّج أى شخص، من أية زوجة تركها الحاكم العربى بالوفاة أو بالطلاق، مهما كانت صغيرة السن.. وبمناسبة الإشارة إلى «أمهات المؤمنين» الحقيقيات، لا بد هنا من لفت الأنظار إلى فجاجة انتقاد الجهلة للنبى محمد (ص) بسبب كثرة زوجاته، حسبما كان الأمر شائعاً فى الأزمنة القديمة! وفى الحقيقة، فإن زوجات النبى محمد (ص) أقل عدداً بكثير من زوجات أنبياء وشخصيات العهد القديم المقدس عند اليهود والمسيحيين، خاصةً داوود وسليمان. وأقل عدداً، بكثير، من «المحظيات» اللواتى حظى بهن ملوك مسيحيون أتقياء، أسهموا فى نشر الديانة المسيحية، بأنحاء الأرض، ومنهم «هرقل» الذى لم يقنع بزوجته وحريمه، وإنما (تزوَّج) أيضاً ابنة أخته مرتينة، تحت سمع وبصر أساقفة زمانه، ومباركة كثير منهم. مع أن ذلك كان، وسوف يظل، ممنوعاً فى الديانات الرسالية الثلاث: اليهودية، المسيحية، الإسلام.

نعود إلى مفهوم «الخلافة» الذى ورد لفظه فى القرآن الكريم كصفة لعموم الإنسان.. قال تعالى: «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح»، و«يجعلكم خلفاء الأرض». ولكن الخلافة هنا مفهوم عام فى الإنسان المستخلف فى الأرض، ولا يراد بها تحديداً (المعنى السياسى) ولا اللقب الذى اتخذه الحكام المسلمون من بعد وفاة النبى.

ولعل اختيار لقب (الخليفة) يرجع إلى كونه لفظة قرآنية، ترتبط بمفهومٍ للحكم يبتعد قدر الإمكان عن مفاهيم: الملك، الإمبراطور، القيصر، الشاه، كسرى.. وهى تسميات سلطوية ارتبطت فى أذهان المسلمين الأوائل بالعنجهية المؤدية إلى فساد أهل السلطة.

ولذلك، خطب أول (الخلفاء) المسلمين «أبو بكر الصديق» فى الناس بعد توليه الأمر قائلاً: «لقد وُلِّيت عليكم (لاحظ أن الفعل مبنى للمجهول) ولستُ بخيركم، فأطيعونى ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعةَ لى عليكم».. وهى عبارة معروفة، تدل على أن فكرة (العقد الاجتماعى) بين الحاكم والمحكوم، كانت واضحة فى أذهان المسلمين الأوائل، بشكلٍ تلقائىٍّ ومباشر. كما تدل على أن المسلمين الأوائل، تحاشوا متابعة النسق السلطوى العالمى (آنذاك) المتمثل فى دولتىْ الفرس والروم. وهما الدولتان اللتان نَخَرَ سوسُ السلطة عظامَهما، ومهَّد لتهاوى كل دولة منهما، بمجرد أن مسَّتها يدُ المسلمين العسكرية. ولهذا اعتبر الحكام المسلمون الأوائل (أى أخذوا العبرة) بسابقيهم ومعاصريهم، واختاروا لرأس الدولة الوليدة اسم (الخليفة) الذى يُحيل ضمناً إلى امتداد الأبوية النبوية فى شخص المتولِّى أمر المسلمين باعتبار أنه (يخلف) النبى فى الأمر.. وبهذا المعنى، كان الخلفاء الأربعة خلفاء للنبى فى الأرض، وحكاماً للمسلمين، يتحاشون فى حُكمهم البهرجة السلطوية. ثم تطور الأمر، حتى صار بحسب التعبير العربى القديم، والحديث الشريف مُلكاً عضوضاً أى ملكية يُعَضُّ عليها بالنواجذ. وهو ما ظهر واضحاً فى الخلافة الأموية، ومن بعدها الخلافة العباسية، ومن بعدها المحاولة البائسة التى قام بها المماليك فى مصر والشام لإحياء الخلافة العباسية بعد سقوط بغداد على يد هولاكو (سنة ٦٥٦ هجرية) كى يكتسب المماليك الذين لم يَعرف الواحد منهم أباً (أولاد الناس) الشرعية السلطوية على اعتبار أنهم يمثلون الخليفة (الشكلى) الحبيس فى قلعة الجبلى بالقاهرة (المسماة اليوم: قلعة محمد على).

وكانت آخر «خلافة» إسلامية هى تلك المسماة (الدولة العثمانية) التى عضَّت بالنواجذ على السلطة، حتى إن الخليفة العثمانى كان ليلة جلوسه على العرش، يقتل كل إخوته. ليضمن أنهم لن ينازعوه فى سلطانه، أو ينتزعوه منه! وقد قتل أحد سلاطين العثمانيين ثلاثة وعشرين أخاً له، فى ليلة واحدة.

■ ■ ■

وانتهت دولة العثمانيين بعدما تطرَّق إليها الفساد، وفقاً للقاعدة التى ذكرها «ابن خلدون» حين أكَّد أن البذخَ والترفَ، مقدمة لانهيار الدول. وقد قام «كمال أتاتورك» بخلع الخلافة، ثم أمعن فى طمس معالمها باسم (العلمانية) التى أنقذ بها تركيا من براثن التخلف العثمانى. وبينما كانت دولُ العالم تستفيق من آثار الحرب العالمية الأولى (وتستعد للحرب العالمية الثانية) كانت أمام الدول العربية مهامُّ ضخام للخروج من مأزق التخلف العربى، واللحاق بطفرة التقدم الأوروبى.. ولكن، بدلاً من توجيه الأنظار إلى هذه (المهمة الحضارية) انهمك الملوك المصريون والسعوديون فى الخلاف حول أحقية الملك فؤاد أو الملك سعود بالخلافة. وانقسم (العلماء) فى أواخر العشرينيات من القرن العشرين، ما بين مناصرٍ لهذا (الملك) أو ذاك، ثم ما لبث هؤلاء العلماء أن انهمكوا فى (النضال) حول أحقية كُلٍّ منهما بالخلافة المنحلَّة.. وعُقدت المؤتمرات فى القاهرة وفى الرياض، وتنازع الناس حتى فشلوا وذهبت ريحهم.

ومع صدور كتاب «على عبد الرازق» الشهير (الإسلام وأصول الحكم) وهو الكتاب الذى أكَّد أن الخلافة ليست شرطاً لقيام دولة الإسلام. هاجت ضد مؤلفه نفوسُ المعارضين والمغرضين، وتعقبوا الرجل حتى جعلوا حياته جحيماً.. لكنه فى المقابل جعل حلمهم مستحيلاً! لأن الأوهام لا تستطيع الصمود طويلاً، إذا توجَّهت نحوها أنوارُ العقل والمنطق.

ومع منتصف القرن العشرين، خرج معظم المسلمين من وهم (الخلافة) المؤيَّدة من السماء. وأسهمت الحكوماتُ العسكرية التى حكمت معظم البلاد العربية والإسلامية، فى القضاء على وَهْم (حُلم) إحياء الخلافة.. ونسى معظمُ الناس هذا الأمر، ولم يعد يحلم به أو يتوهَّمه إلا جماعاتٌ محدودة العدد، تهرب بوعيها من مشكلات الواقع بالتحليق فى سماء التوهُّمات، من غير اعتبار لحقيقةٍ بدهيةٍ. هى أن إقامة الخلافة الإسلامية اليوم، يقتضى أولاً تغيير نظام العالم أجمع كى يمكن قبول مثل ذلك النظام السياسى، ولا أظن أن أى جماعة من الحالمين بالخلافة، قادرةٌ على تغيير العالم.. والله سبحانه، أخبرنا بأنه لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم (قرآن كريم) ولم يقل تعالى: حتى يحلموا ويحلِّقوا فى الأوهام.

■ ■ ■

ومن المصريين، اليوم، بعض الحالمين بعودة الخلافة. ومن هؤلاء الطريقة الصوفية «العزمية» التى تربطنى بشيخها الحالى ومشايخها السابقين، روابطُ المحبة الروحية الموروثة من عالم الذَّرِّ. وهم ينادون بعودة «الخلافة الإسلامية» بنوعٍ من الحنين إلى الماضى المجيد، مع أن «الحنين» محض شعورٍ نبيل، ومع أن الماضى ليس كله مجيداً.

وقد أراد الرئيسُ الراحل، أنور السادات، أن يجمع بين الحسنيين! فراح يعتكف بسيناء فى «وادى الراحة» ويُطلق على نفسه اسم «الرئيس المؤمن» متناسياً أنه رجل عسكرىٌّ فى الأساس، أو راغباً فى الجمع بين السلطتين العسكرية والروحية.. ولأنه «مؤمن» فقد أطلق من دون وعى، ماردَ الجماعات المتطرفة التى استوحت لنفسها من فكرة «الخلافة» فكرةَ «الإمارة» فصار لكل جماعة (إسلامية) أمير (جماعة إسلامية) ترى فى نفسها أنها فقط الإسلامية، وبقية المسلمين هراطقة!.. وما لبث الناسُ الذين أحسنوا الظن فى البداية بالجماعات الإسلامية (المتأسلمة) المتطرفة، أن اكتشفوا الحقيقة البسيطة القائلة إن هؤلاء المتأسلمين هم مجرد جماعة ساعية إلى السلطة، وإن هؤلاء «الأمراء» ليسوا «خلفاء»، وإنما أمراء إرهاب نسوا أن الدعوة الإلهية (القرآنية) كانت لإعداد العُدَّة لإرهاب «عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم» فإذا بهم يرهبون المسلمين والمسيحيين وعموم المصريين، فيفرح بإرهابهم لنا: عدو الله وعدونا وآخرون من دونهم لا نعلمهم.

■ ■ ■

عدد المشاهدات :86
أوهام المصريين

د. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين ..

الناصر أحمد مظهر

منذ سنوات بعيدة، قال لى واحد من أساتذة الفلسفة المصريين، مازحاً، إنه اشتغل فى شبابه بفن التمثيل! ولما استفهمت منه، مستغرباً من أننى لم أره فى أى مشهد سينمائى، قال وهو يبتسم: ألا تذكر الجموع التى ظهرت فى فيلم «الناصر صلاح الدين»، لقد كنت واحداً من هؤلاء الجنود، فأيامها كنتُ مجنَّداً فى الجيش، وكانوا يأخذون الآلاف منا، للاشتراك فى تصوير المشاهد الحربية.

أدهشنى يومها اهتمام الجيش المصرى بالتصوير السينمائى، وأدهشنى بعدها انتباهى إلى أن هذا الفيلم تم إنتاجه سنة ١٩٦٣، أى أن الجنود الذين ساقوهم ليكونوا (كومبارس) هم أنفسهم الجنود الذين انهزموا فى فضيحة ١٩٦٧ المسماة تخفيفاً وتلطيفاً وكذباً وتلفيقاً (النكسة) لأن المجنَّدين آنذاك كان الجيش يحتفظ بهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم، وهو ما كان يعرف بنظام (الاستبقاء) وكان الجندى منهم يقضى فى «الخدمة العسكرية» فترة قد تقارب العشر سنوات، بينما بقيةُ المصريين مخمورون بكأس البطولات العسكرية (السينمائية) التى تمجِّد الجندية.. قال أمل دنقل:

قلتُ لكم فى السنة البعيدة

عن خطر الجندى

وعن همته القعيدة

يحرس مَنْ يمنحه

راتبه الشهرىّ

وزيَّه الرسمىّ

كى يُرهب الخصوم

بالجعجعة الجوفاء

والقعقعة الشديدة

لكنه، إن يحن الموتُ

فداءَ الوطن المقهور والعقيدة:

فرَّ من الميدان

وحاصر السلطان

وأعلن الثورة فى المذياع والجريدة

قلتُ لكم، لكنكم

لم تسمعوا هذا العبث

ففاضت النار على المخيمات

وفاضت الجثث.

■ ■ ■

مثل غيرى من المصريين والعرب، شاهدتُ فى طفولتى فيلم «الناصر» مراراً، لأنه كان أشبه بالمقرر الدراسى الذى يعرض دورياً فى المناسبات «القومية» أيام كانت هناك قناة تليفزيونية واحدة، ثم قنوات قلائل، تواظب على عرض الفيلم بانتظام، حتى ارتبطت فكرةُ «القومية» فى الأذهان، بفيلم «الناصر» المرتبط بدوره بشخصية الرئيس «عبدالناصر» المرتبط بالحلم العربى العريض: تحرير القدس.

والتجارة فى الأحلام، من أربح التجارات (وأكثرها خِسَّةً) ولذلك فقد احتشد لهذا الفليم «الحلم» أو حُشِد له، كبار صُنَّاع السينما آنذاك. فمع المخرج العبقرى يوسف شاهين، قام بالديكور وعمل المناظر، العبقرى: شادى عبدالسلام.

أما القصة والسيناريو والحوار، فقد قام بها ثلاثة من الكُتَّاب الكبار (محمد عبدالجواد، نجيب محفوظ، عبدالرحمن الشرقاوى) وكان الممثلون «النجوم» كُثر، منهم: صلاح ذو الفقار، نادية لطفى، حسين رياض، عمر الحريرى، زكى طليمات، حمدى غيث.. وعلى رأسهم الفارس: أحمد مظهر (= صلاح الدين الأيوبى).

وقد كان أحمد مظهر فى الأصل (قبل احترافه التمثيل) ضابطاً فى سلاح الفرسان المصرى. فلا غرابة فى أن يُجيد، مع مخرج مثل يوسف شاهين، تمثيل دور الناصر صلاح الدين.. ولذلك، فلا يكاد أحدنا يسمع اسم «صلاح الدين الأيوبى» إلا ويتذكر على الفور بشكل لا إرادىّ، مشهد أحمد مظهر وهو يصيح من فوق فرسه، وقد ارتدى الملابس التاريخية، داعياً لتحرير: أورشليم القدس.

ومضت بنا الأيامُ، فادحةً، حتى جاء اليوم الذى كففتُ فيه عن رؤية ذلك الفيلم، بعدما رأيتُ أحمد مظهر فى لقاءٍ تليفزيونى يبكى بمرارة، لأنهم سوف يخرِّبون فيلَّته التى بأطراف القاهرة، لأنها تعترض طريق الكوبرى الواصل بين القاهرة ومدينة أكتوبر (والطريق الصحراوى) وهى الوصلة التى نعرفها اليوم باسم «المحور».. ومات أحمد مظهر كمداً.

■ ■ ■

حقق الفيلم (الحلم) نجاحاً جماهيرياً فى زمن الإعلام الموجَّه، لكنه واجه فشلاً فنياً ذريعاً، حتى إن مخرجه (حسبما قيل لى همساً) كان يكره ذكره! كما حقَّق خسارة مالية فادحة، لأن المساندة (الحكومية) فى إنتاجه، لم تستطع أن تخفف من عبء التكلفة المالية «الباهظة» التى أدَّت إلى إفلاس منتجة الفيلم (آسيا) لأن الميزانية الإجمالية بلغت ثلاثة وسبعين ألف جنيه مصرى، أيام كان للجنيه المصرى احترام..

وهى ميزانية كانت تكفى لإنتاج خمسة أفلام، بحسب المعمول به فى ذلك الزمان البائس المسمى اصطلاحاً: الستينيات.

وبطبيعة الحال، حرصت الحكومة المصرية آنذاك على تعويض المنتجة (آسيا) عن خسارتها المالية، بإسناد أعمال أخرى «مضمونة الربح» .. ولكن، لم يفكر أحد فى الخسارة الكبرى التى لحقت بالوعى المصرى، والعربى، العام. بسبب مخيالية هذا الفيلم، ومخايلاته، وأكاذيبه الكثيرة، تالية الذكر.. وأرجو من القارئ ألا يفزع مما سيأتى، ويبادرنى بالإنكار.

أولاً: لم يكن «صلاح الدين» هو ذلك «البطل» الذى تم الترويج له فى زمن حكم العسكر، لأنه كان مثلهم عسكرياً.. فالتاريخ يخبرنا بحقائق مغايرة لما عرفناه من فيلم «الناصر» منها أن صلاح الدين الأيوبى، كان قائداً خائناً للسلطان نور الدين الذى أرسله على رأس الجيش من دمشق إلى مصر، لتأمين حدودها ضد هجمات الصليبيين، فترك الأمر ومهَّد لنفسه السلطة، ولأقاربه، وترك المهمة التى جاء من أجلها، حتى إن السلطان نور الدين جهَّز جيشاً لمحاربة صلاح الدين (المنشق) ولكنه مات ليلة خروج هذا الجيش، فسنحت الفرصة لصلاح الدين واستطاع استمالة بعض القوَّاد، وحارب البعض الآخر، حتى استقام له السلطان..

والعجيب، الدال على شخصية صلاح الدين، أنه كان فى الوقت ذاته قائداً من قوَّاد السلطان نور الدين (السُّنىِّ) ووزيراً للحاكم الفاطمى لمصر (الشيعى) مع أن الدولتين كانت بينهما خلافات لا تقلُّ عمقاً عما كان بين المسلمين أصحاب الأرض (أصحاب البلد) والمسيحيين الغزاة الذين اشتهروا باسم الصليبيين.

ثانياً: بعد مناورات كثيرة، ومداورات، اضطر صلاح الدين الأيوبى إلى اقتحام القدس. ولم يفلح فى انتزاعها من قبضة الصليبيين إلا صُلحاً.. ثم أعادها الأيوبيون ثانيةً إلى الصليبيين، كهدية، سنة ٦٢٨ هجرية!

ولم تكن القدس تُعرف بهذا الاسم الذى تردَّد فى (الفيلم) كثيراً، فالمسلمون الأوائل والمسيحيون أيضاً لم يعرفوا لهذه المدينة اسماً إلا (إيليا) أما أوروشاليم فهى التسمية العبرية للمدينة التى كانت موجودة قديماً بهذا الموضع، وهدمها «إيليوس هادريان» وبنى مكانها مدينة أخرى هى «إيليا» أو «إيلياء» نسبةً إليه!

وتم استعادة الاسم العبرى على يد المسيحيين بعد قرون لإضفاء القداسة على المدينة. أما القدس وبيت المقدس، فهى أيضاً تسمية عربية/إسلامية أطلقت على المدينة استناداً إلى تسميتها العبرية القديمة: بيت هاميقداش.

ثالثاً: احتوى الفيلم الذى كتبه كبار الكاتبين آنذاك، على مغالطات لا يمكن أن يكونوا قد سهوا عنها، ولا بدَّ (فيما أرجِّح) أن تكون قد أُمليت عليهم..

فمن ذلك شخصية «عيسى العوَّام» التى قدمها الفيلم على أنه مصرى مسيحى (يعقوبى)، وجعله الفيلم قائداً عسكرياً فى وقت كان المسيحيون فى مصر والشام يدفعون الجزية مقابل إعفائهم من الالتحاق بالجيش ثم يصل الإفك السينمائى إلى مداه، حين يقترن عيسى العوام (صلاح ذو الفقار) براهبة فاتنة من الكاثوليك (نادية لطفى) فى وقت كان الأرثوذكس، وما زالوا، يرون أن الكاثوليك كُفَّار.. فضلاً عن أن الراهبات لا يرتبطن أصلاً بالرجال، أيا كانت ديانتهم.

والأعجب والأكثر فكاهةً (سوف نتحدث عن الفكاهة فى مقالنا القادم) أن عيسى العوام الذى عاصر الحروب الصليبية، وبرع فى قتالهم: هو رجل مسلم بحسب ما أخبرتنا به المصادر التاريخية.

ولا يفوتنا هنا، أن هذه «الترضية الحكومية» لأقباط مصر، فى هذا الفيلم الذى تكلَّف قرابة السبعين ألف جنيه، ارتبطت آنذاك برغبة الحكومة المصرية (الرشيدة) فى إقامة كيان سياسى كنسى، مصرى، بإعلاء شأن كنيسة الإسكندرية (فى القاهرة) ولذلك قدمت الحكومة سبعين ألف جنيه مصرى، وقطعة أرض كبيرة بالعباسية، لإقامة «البطرخانة» الحالية..

كان ذلك فى زمن البطرك الهادئ المسالم الوديع «كيرلس السادس» ولم تكن الحكومة المصرية تدرى أن الأمر سوف يتفاقم ليصل إلى ما وصل إليه هذه الأيام، ويتطور إلى ما نشهده مؤخراً من كلام الجهلة والسفهاء الذين صاروا فى غفلة من الزمان يتصدرون وسائل الإعلام.. لن أزيد على ذلك، اتقاءً لغضب هذا «الأسد الهصور» الذى يمطر الناس بالدعاوى القانونية، وتلافياً لمزيد من الخلاف.

■ ■ ■

نعود إلى الناصر أحمد مظهر، للتأكيد على أنه يختلف عن الناصر صلاح الدين، الذى تختلف حقيقته التاريخية عن صورته (السينمائية) فى أذهاننا، التى تختلف بدورها عن صورة الرئيس عبد الناصر بكل ما فيه من فضائل ومثالب.

لنقول إن وهم «المخلِّص الذى لا يخلِّص» كان وهماً يتم توجيهه، تلاعُباً بالعقول وتضييعاً لعقل هذه الأمة.

وللأسف، فمن أراد أن يرى صورة سينمائية، أقرب إلى الواقع التاريخى، وفيها كثير من الفن! فعليه بأن يشاهد فيلم «مملكة السماء» وهو الفيلم الذى لم تنجح الكنيسة المصرية الحالية فى إجبار الحكومة المصرية الحالية على منعه، مثلما حدث قبل بضعة شهور مع الفيلم البديع: أجورا (الذى يحكى عن مرحلة مهمة فى تاريخ مصر).

.. وبعد، فلنختتم تلك المقالة بنكتة سمعتها مؤخراً: ظل إمام مسجد كبير، يدعو الله فى صلاة الجمعة قائلاً «اللهم أرسل لنا صلاح الدين لتحرير القدس» فاستجاب الله له، وخرج الناس من المسجد فوجدوا صلاح الدين على حصانه، يدعوهم لتحرير «أورشليم القدس» لكنَّ المصلِّين اعتذروا عن عدم اللحاق به، لأن أحدهم عنده موعد مع طبيب الأسنان، وآخر مرتبط بحفل عيد ميلاد زوجته، وآخر عليه أن يأخذ أولاده إلى الدروس الخصوصية.. إلخ، فلم يجد صلاح الدين حوله أحداً، فصعد ثانيةً إلى السماء.

فى الجمعة التالية، دعا الإمام بعد الصلاة من جديد، قائلاً: «اللهم أرسلْ لنا صلاح الدين لتحرير القدس، هو والناس الذين كانوا معه».

.. ومراعاةً لحقوق الملكية الفكرية، فهذه النكتة قالها لى مؤخراً، صديقى المخرج البديع: خالد يوسف!

الذى أرجو ألا يُضطر يوماً، لإتحافنا بفيلم (حلم) عن الظاهر بيبرس أو قطز، أو أى «بطل» من هؤلاء العسكريين الذين تؤكد حياتهم الحقيقية أنهم كانوا أبطالاً، من «البُطلان» وليس من «البطولة».. فالبطولة لا تكون فرديةً، ولا تتم إلا بعد خروج «الناس» من الباطل.

■ ■ ■

اللهم أرسلْ لنا رمسيس الثانى لتحرير قادش


عدد المشاهدات :84
أوهام المصريين

Sponsors

  • Cheap reliable web hosting from WebHostingHub.com.
  • Domain name search and availability check by PCNames.com.
  • Website and logo design contests at DesignContest.com.
  • Reviews of the best cheap web hosting providers at WebHostingRating.com.